هبطت ليلى وزوجها في مطار إشبيلية بُعيد الظهر، فاستقبلهما ضوء الشمس الدافئ، وفي الهواء أثرٌ خفيٌّ من عبق الياسمين. كانت الأندلس دائماً تسكن أعماق أمانيهما، تلك البقعة التي تروي حكاية عصرٍ ذهبي جمعت فيه الحضارة والفن والإيمان في انسجام نادر. ولم تكن الرحلة بالنسبة لليلى مجرد جولة أوروبية عابرة، بل كانت عودةً إلى الجذور وإطلاقاً لفضولٍ طالما تاقت إلى إشباعه.
كانت قرطبة أولى محطاتهما. وحين سلكا أزقتها الضيقة نحو المسجد الجامع، خيّم على نفسيهما شعورٌ بالهدوء العميق. وداخل المسجد، بدت صفوف الأقواس الحمراء والبيضاء كأنها غابةٌ نبتت في رحاب الأبدية، وكأن الزمن توقّف عند لحظة بلغت فيها الجمالُ كماله. وفي أواخر ذلك الظهر، جلسا على حافة الجسر الروماني يتجرّعان نعناعاً مثلّجاً، فيما ترقص أشعة الشمس على صفحة نهر الوادي الكبير.
وفي غرناطة، تجاوز قصر الحمراء حدود المعمار ليغدو تجربةً تسكن الروح. من شُرُفاته العالية، بدت جبال سييرا نيفادا قريبةً كأنك تمسّ ثلجها بيدك. وفي كل زاوية في جدار منقوش، وفي نفَس نافورة كانت ليلى تعيش حالةً من الدهشة الصامتة التي لا تُعبّر عنها الكلمات.
غير أن ما لن تنساه ليلى أبداً هو ذلك الشعور الفريد بالاتزان الذي منحتها إياه الأندلس: تاريخٌ دون ثقل، ورقيٌّ دون صلف. وإن عادت يوماً، فإنها تحلم باستكشاف مدينة رندة المعلّقة فوق الجروف، والامتداد السّاحر لشاطئ ملقا.