حين حطّت بهم الطائرة في مطار مراكش المنارة، استقبلت عائلةَ القريشي حرارةٌ تكاد تتنفّس، كأنّ الهواء نفسه جزءٌ من روح هذه المدينة العتيقة. وكان الرياض الذي احتضنهم عالَمًا مكتفيًا بذاته خلف جدرانه الصامتة: صحنٌ مُبلَّط تتضافر فيه الزخارف، وأشجار الليمون تفوح بعطرها الهادئ، وخرير الماء يداعب أذن المكان فيمنحه إيقاعًا من السكينة.
جاب أفراد الأسرة مقابر السعديين، وضاعوا بنعمةٍ في دهاليز الأسواق الشعبية حيث تتزاحم الألوان والأصوات والروائح. وفي أحد الأيام، شقّوا طريقهم إلى صحراء أكافاي، فامتطوا ظهور الجِمال على وقع الغروب، وتبدّل ضجيج المدينة بصوتٍ وحيد: الريح.
وفي اليوم الأخير، زاروا تعاونيةً نسائيةً تُعنى بإنتاج زيت أركان بأيدٍ تجيد أسرار الأرض. غادروا وحقائبهم تنوء بالهدايا، لكنّ القلوب كانت هي الأثقل حملًا والأغنى عطاءً. علّمهم المغرب أنّ اللون الحقيقي لا يسكن الصبغات وحدها، بل يختبئ في ثنايا الثقافة ويتجلّى في دفء الإنسان.