في صالات مطار إسطنبول، استقبلت عائلة السالم بحفاوة غريبة تمزج بين الإثارة والانتماء، كأن المدينة كانت تعرفهم قبل أن يعرفوها. فلطالما اشتُهرت هذه المدينة بما يسكنها من تناقضات ساحرة: بين العراقة والحداثة، بين الشرق والغرب، بين روحانية الإيمان وبهاء الفن.
تكشّفت الأيام كأوراق تاريخ مطوية بعناية. جابوا دروب البازار الكبير العتيقة، حيث تتشابك الروائح والألوان في عرض لا ينقطع، ثم ولجوا إلى قصر طوبقابي فأفضى بهم إلى حقب من الأبهة والسلطة. وفي أحد المساءات المضيئة بضوء المضيق، ركبوا العبّارة عبر البوسفور، فوجدوا أنفسهم عائمين بين قارتين وقلبٍ واحد.
غير أن أعمق ما حفر في الذاكرة لم يكن موقعاً بعينه ولا لحظة بذاتها، بل تلك الخفّة التي تحمل بها المدينة طبيعتها المزدوجة دون عناء أو تكلّف. أقنعتهم إسطنبول بأن ثمة أماكن لا تُضطر إلى الاختيار بين ما كانت وما صارت — لأنها ببساطة تعيش الاثنين معاً، في انسجام لا تفسير له سوى السحر.