وصل سمير وأميرة إلى مطار إسطنبول، فأحسّا وكأنهما يعبران عتبة مدينةٍ شهدت الدنيا تمرّ من بين يديها، ثم عادت تستقبلها من جديد، وكأنّ الترحيب فيها ليس عادةً بل طبيعةٌ راسخة في روحها.
كان فندقهما في السلطان أحمد يُطلّ على مضيق البوسفور، فبات الماء رفيقَ صباحاتهما. كانا يسيران كلّ غداةٍ نحو آيا صوفيا التي تقف شاهدةً على أعمار الحضارات، ثم يعبران إلى المسجد الأزرق حيث تتشابك الأحجار والإيمان حتى يعسر التمييز بين الاثنين، كأنّ المعمار ما بُنيَ إلا ليقول ما تعجز عنه الكلمات.
أمّا بعد الظهر، فكانا يضيعان بأهوج اللذة في دروب البازار الكبير، حيث يبادر التجار بتقديم الشاي قبل عرض بضاعتهم، فالضيافة هناك تسبق التجارة ولا تعقبها. منحتهما إسطنبول بصيرةً جديدة في معنى التعايش، وأثبتت بحضورها ذاته أنّ التنوع لا يتناقض مع الجمال، بل ربما كان أعمق تجلياته وأصفاه.