يوسف وليلى لم يكونا يبحثان عن وجهة سياحية، بل كانا يبحثان عن لحظةٍ تسكن الذاكرة. حطّت بهما الطائرة في مطار الملكة علياء الدولي في صباحٍ خريفيٍّ تشوبه نسمةٌ باردة، فانفتح أمامهما الأردن كما تنفتح صفحةٌ من أسفار التاريخ.
حين ولجا ضيقَ السيق بخطىً متأنية، وانبثقت أمامهما فجأةً واجهةُ الخزنة في عزّ الضحى والشمسُ تُلقي أشعّتها على حُمرة الصخر، لم يملك أطفالهما إلا أن يُدهشهم المشهد، فعلت الآهات دون استئذان.
وحين رحلا نحو وادي رم وأرخت السماء سدولها، تشاركوا مع أبناء البادية عشاءً بسيطاً في كنف الصحراء، فوجدوا في السماء ما لم يجدوه في أي مكان آخر: لا حدودَ تحصر النجوم، ولا أسقف تحجب الأفق. أما ضيافة البدو فلم تكن استجابةً لطلبٍ، ولا أداءً لواجب، كانت طبيعةً فطرية وأصالةً متجذّرة في الروح.
ما لن ينساه يوسف وليلى هو تلك المفارقة العجيبة التي وهبها لهما الأردن: شعورٌ بالضآلة أمام عظمة التاريخ، وشعورٌ بالدفء في كنف مضيفٍ لم يبخل بشيء، كأنّ الحضارات التي توالت على هذه الأرض قد أوصت من جاء بعدها: أكرموا ضيوفكم.