وصل أفراد عائلة الرحمان إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي في تلك الساعة الرقيقة التي تسبق الفجر بقليل، حين يتنفّس الليل أنفاسه الأخيرة. وما إن لامست أقدامهم أرض المدينة المنوّرة، واستقبلتهم نسمة الصباح الباردة، حتى أحسّوا بما لم يستطيعوا له تفسيراً ذلك الأمان الذي طالما عرفته أرواحهم دون أن تلتقيه.
فالمدينة لم تكن في نظرهم مجرّد وجهة، بل كانت موعداً مع السلام الذي يسكن أعماق النفس.
كان فندقهم يُطلّ على المسجد النبوي الشريف، والقبّة الخضراء تسطع في عتمة الفجر كنجمٍ وادع يهدي السائرين. وبعد أداء صلاة الفجر، كانوا يُفضّلون السير الهادئ نحو مقهىً قريب، حيث ينتظرهم قهوة الهيل الدافئة وأجود التمر العربي بسيط في ظاهره، عميق في مذاقه.
وفي ليلتهم الأخيرة، وقفوا مشدوهين يرقبون ضوء الغروب يسكب ألوانه الذهبية على رخام صحن المسجد، فبدا المشهد كأنه طيّ بين الدنيا والملكوت. لن يحملوا من المدينة صوراً فحسب، بل سيحملون شيئاً لا تسعه الذاكرة وحدها إحساساً عميقاً بالأمان والطمأنينة، بالعودة إلى البيت الذي لم يكونوا يعلمون أنهم فقدوه.