لم تكن الأندلس مجرد أرض فُتحت ثم سقطت، بل كانت حضارة أضاءت قرونًا من التاريخ، وجمعت بين العلم والفن والتنوع الثقافي. وما تزال آثارها حاضرة في مدن إسبانيا ولغتها وثقافتها حتى اليوم. فمن جبال طارق إلى قصور الحمراء، تمتد قصة الأندلس بما تحمله من انتصارات وصراعات لتخطّ قصة حضارة استثنائية بدأت بالفتح، وبلغت أوج ازدهارها، ثم انتهى حكمها بينما بقي أثرها حيًا. وفي هذا المقال سنستعرض أبرز محطات هذه الحضارة التي ما زالت توقد إلهامات السفر وتجذب الزوار إلى أطلالها.
ما قصة فتح الأندلس؟
في أوج حقبة انتصارات الخلافة الأموية وانتشار الفتوحات الإسلامية شرقًا وغربًا؛ ومع ضم المغرب العربي تحت راية الإسلام وحلول الاستقرار فيه على يد القائد الفذّ موسى بن نُصَير، توجهت أنظار المسلمين إلى أرض الأندلس الخصبة أملًا في نشر الإسلام فيها. ولكن الأمل في فتح الأندلس لم يكن وليدًا حديثًا لتلك المرحلة في التاريخ الإسلامي، بل كانت آمال المسلمين معلقة على هذه الأرض منذ خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد برزت أهمية هذا الفتح تحديدًا حين حاول المسلمون فتح القسطنطينية ونجحوا في حصارها ولكن استعصى فتحها عليهم، حينها قال الخليفة الراشديّ عثمان بن عفان مقولته الشهيرة: "إن القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتح القسطنطينية في الأجر."
ولكن، قد حالت بعض العقبات الصعبة بين المسلمين وفتح الأندلس، كالطبيعة الوعرة والمجهولة للأرض، وقلة عدد السفن الحربية تحت إمرة المسلمين، وقلة القوات الجهادية المسلمة مقارنة بالقوات النصرانية التي سكنت الأرض متحصنة بعتاد وقلاع منيعة. وقد كانت في أرض الأندلس قبائل وممالك متناحرة آنذاك، وقد كانت إحدى هذه الممالك تدعى بالقوط الغربيين وكان لهم قائد قوي يدعى "لُذريق" ولكنه كان يشتهر بالظلم والقهر. كما أنه في طريقه للوصول إلى الحكم قد اتخذ لنفسه الكثير من الأعداء من بينهم حاكم سِبتة "يُليان"، الذي بعث برسل إلى والي طنجة آنذاك—وقد كان القائد المغوار طارق بن زياد—بهدف التفاوض على تحالف مع المسلمين أملًا في ردع ظلم "لذريق". وقد قام التحالف على بضع بنود، فقد تعهّد يليان بتسليم ميناء سبتة إلى المسلمين ومدّهم بجميع المعلومات عن طبيعة أرض الأندلس وشعوبها، مقابل رد الأراضي والضيعات التي سلبها لذريق من أهلها والتي تقدر بثلاث آلاف ضيعة. وبهذا، قد صار حلم الفتح يلامس الأنامل، وصارت الأرض الخصبة قاب قوسين أو أدنى…
وقد ابتدأت رحلة الفتح بحذر، فأمر موسى بن نصير بإرسال فرقة استطلاعية أولًا يقودها طريف بن مالك، وبعد عام كامل من هذه الاستطلاعات—التي تكللت جميعها بالنجاح—كانت خطة الفتح قد أُبرمت، وتم تجهيز جيش مكون من سبعة آلاف مقاتل مسلم (تم تعزيزهم بخمسة آلاف مقاتل إضافي لاحقًا) يرأسهم طارق بن زياد، وقد كانوا كلما دخلوا إلى أرض وقابلوا جيشًا خيروهم بين الدخول في الإسلام والإبقاء على أملاكهم، أو دفع الجزية والإبقاء على أملاكهم، أو الحرب. وتوالت الحروب والمعارك بين المسلمين والنصارى وتمكن المسلمون خلال سنوات قليلة من إخضاع معظم شبه الجزيرة الإيبيرية، بينما استمرت الحملات والمقاومة في بعض المناطق الشمالية بعد ذلك.
ما الذي جعل الحضارة الإسلامية في الأندلس استثنائية؟
منذ قامت حضارة إسلامية في الأندلس، كانت منارة تجمع بين الشرق والغرب، منارة تبث ضوء التفوق في الإدارة والعلم والهندسة، والأهم تنبثق منها روح التعايش والسلام الحقيقي بين قوميات لم يكن لها أن تلتقي سوى في الأندلس العظيمة. فقد تكوّن المجتمع الأندلسي من العرب والأمازيغ والإسبان سكان الجزيرة الأيبيرية الأصليون، وقد تمازجت الأديان السماوية الثلاث لتشكل أهزوجة يتمايل إليها القلب ويلهج اللسان بلحنها، أهزوجة ما زال العالم يشتاق لنغماتها ويدعو القلب بعودة أمجادها حتى يومنا هذا.
ومن عجائب الأندلس أنها وعلى الرغم من تكونها من قوميات لا تتشابه فيما بينها ولا تشترك لا في أصل ولا فصل، إلا أنّ المجتمع كان يقوم على الاحتكاك القريب والتشارك الحثيث ولم يكن مفصولًا؛ بل كانت المدن تقوم على مشاركة جميع هذه القوميات في الحياة اليومية، واختلطوا فيما بينهم في تعاملات مختلفة كالتجارة الاستطباب وغيرها من مناحي هذه الحياة المشتركة. وكان لهذا الاحتكاك آثار جمّة في الثقافة الأندلسية، فقد طبعت كل ثقافة أثرًا لها على وجه هذه الحضارة النضر، ولكنّها أيضًا سهّلت تبادل المعارف واللغات والعادات، وقد كانت اللغة العربية شامة حسن على وجه هذه الحضارة، فكانت لغة العلم والمعرفة، لغة التفكير والتدبر، لغة يتفاخر الأجانب في تعلّمها وإتقانها. كما أن هذا الاختلاط مهّد الطريق لتبادل العلوم بشكل أسرع فأسهمت الأندلس في تداول المعارف المكتوبة بالعربية، ثم نشطت لاحقًا في مدن مثل طليطلة حركة ترجمة واسعة نقلت مؤلفات علمية وفلسفية من العربية إلى اللاتينية والقشتالية، ما سهّل وصولها إلى أوروبا.
كما كانت الأندلس أرضًا خصبة للفنون وتبادل الثقافات، واختلطت فيها الفنون المسيحية مع الفنون العربية والإسلامية وهذا ما نراه واضحًا في كل زاوية خصوصًا في المعمار الهندسي. كما كانت فيما بعد أرضًا ولودة لفنون اختصت بها أرض الأندلس كالموشحات الأندلسية التي تطرب القلب وتوقد الحنين إلى أمجاد حضارة لم يشهد التاريخ مثلها قط.
هل ما زالت آثار المسلمين في إسبانيا قائمة حتى اليوم؟
نعم، ما زالت الآثار الإسلامية قائمة حتى يومنا هذا، فلقد دامت حضارة الأندلس ما يقارب ثمانية قرون، قرون تركت بصمة متجذرة غيرت مجرى التاريخ في شبه الجزيرة الأيبيرية إن لم يكن العالم أجمع. فلا نعجب إذ نرى أن الآثار الإسلامية لتلك الحقبة هي من أكثر المزارات التي تجذب عيون العالم لما لها من فردية وتميّز.
فها هي قرطبة عاصمة الأندلس العظيمة تزخر بالشواهد الشامخة وتذكّر الناس بأمجاد المسلمين، كجامع قرطبة بأعمدته وأقواسه وحرمه الكبير، ومدينة الزهراء برونقها وهيبتها وقصرها الذي كان عجيبة من عجائب زمانه، والحمامات العربية، والناعورة، وغيرها من الآثار التي خلفها المسلمون وراءهم.
ولا ننسى غرناطة وقصر الحمراء الذي لا يشابهه قصر ولا بناء، يجذب آلاف السياح لأروقته فتكون تذكرة دخوله كتذكرة سفر عبر الزمن تأخذك إلى جيب زمني لا يحتوي سوى على العظيم مما أنتجت الثقافة الأندلسية الإسلامية. وحين يتطرق الحديث إلى قصر الحمراء، يجب أن نذكر نافورة السباع التي تعد إعجازًا هندسيًا إلى يومنا هذا وسر من أسرار الحضارة العظيمة. وتتكون نافورة السباع من حوض يحمله اثنا عشر أسدًا رخاميًا، وترتبط بها روايات متعددة عن دقة نظامها المائي، فقيل أنها صممت لتكون ساعة مائية، بحيث يخرج الماء من فم سبع معين في كل ساعة حتى تتم دورة كاملة كل اثنتي عشرة ساعة، وحين حاول المهندسون الإسبان تفكيكها لاكتشاف أسرار هذه النافورة أضروا بها، وفُقد السر إلى الأبد. إلا أن بعض القصص الشائعة حول عملها كساعة مائية لا تستند إلى دليل تاريخي قاطع، ورغم أن المحاولات ما زالت مستمرة في سبيل تقفي أثر هذا السر، إلا أنّ التقدم يكاد لا يذكر.
أما عن حي البيازين فيأخذك في رحلة لاكتشاف طابع الحياة العربية في الأندلس ببيوته البيضاء وأزقته الضيقة، أزقة تتزاحم فيها أصوات أشباح المارة والسكان التي علقت في التاريخ وظلت في هذه الرقعة تتغنى بعظم ما قدمت هذه الحضارة للإنسانية جمعاء.
كيف أثرت الأندلس في الثقافة الإسبانية الحديثة؟
لم يقتصر تأثير الثقافة الأندلسية على العمران الذي تركه المسلمون وراءهم بعد سقوط الحكم الإسلامي في البلاد، بل امتد ليشمل اللغة، والفنون، وحتى عادات وتقاليد الإسبان التي تلوّنت بشيء من العادات والثقافة العربية والإسلامية. ولهذا السبب كثيرًا ما نسمع أن الإسبان من أقرب الشعوب للعرب في روحهم.
ومن أول الأدلة على هذا هو التقارب اللغوي بين الإسبانية والعربية، فنرى الكثير من الكلمات المتشابهة بين اللغتين، إذ تضم اللغة الإسبانية عددًا كبيرًا من الكلمات ذات الأصول العربية، ولا سيما في مجالات الزراعة والطعام والإدارة والحياة اليومية، مثل الزيتون والسكر ورئيس البلدية والجبر. كما تأثرت العمارة والحدائق فتجدها تمثل العمارة الإسلامية في تخطيطها وزخرفاتها، وهذا يتجلى بكثرة في الجنوب فنرى الأقواس الحدوية، والنوافير، والزخرفات النباتية، والبلاط الخزفي المزخرف وغيرها من الأساليب الهندسية التي استمر استخدامها حتى بعد سقوط الأندلس فظهر ما يُعرف بالفن المدجّن أو الموديخار.
وقد حافظ الإسبان على الثقافة حتى بعد سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس، فحتى لو سقطت الأندلس كخلافة إسلامية، فهذا لا يعني أن ثمانية قرون قد مُحيت بين ليلة وضحاها! على العكس، اهتم الإسبان بالاحتفاظ بهذه الثقافة وبإثرائها، فالإسباني قد ينطق كلمات عربية، ويأكل أطعمة ارتبط انتشارها بالعصر الأندلسي، ويسكن أو يزور مباني ذات أفنية ونوافير وزخارف إسلامية، ويستمع إلى موسيقى تطورت في بيئة أندلسية متعددة الثقافات.
لذلك يمكن القول إن الأندلس ليست فصلًا منفصلًا عن تاريخ إسبانيا، بل طبقة أساسية من هويتها الحديثة امتزجت مع طبقات تاريخية أخرى وصنعت ثقافة إسبانية شديدة التنوع.
ما هي قصة سقوط الأندلس؟
سنن الله في هذا الكوكب لا تحبّذ ولا تميل لأحد، بل وُضعت—بحكمته—لكي يكون الجميع خاضعًا لها…
ومن هذه السنن الكونية التي تحكمنا أنّ "ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع" وأن الممالك والحضارات كالإنسان تُخلق من ضعف ثم يشتد عودها وتقوى ولكن ما تلبث هذه القوة أن تتلاشى وتحيل ضعفًا مجددًا: (للَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ).
وهذا ما آلت إليه الحضارة الأندلسية: فبعد حوالي ثمانية قرون، سقط الحكم الإسلامي السياسي وانتهى هذا العصر المزهر في عام 1492. ولكنّ هذا السقوط لم يكن يعزى لسبب واحد، ولا يمكن النظر إلى التاريخ واجتذاذ معركة واحدة تكون هي الفاصلة أو نقطة التحول. بل إنّ السقوط كان مسارًا طويلًا من التفكك السياسي والحروب والتحالفات وتغيّر موازين القوى، مسارًا طُرز بالجشع والطمع والانقلابات، مسارًا امتد قرابة خمسة قرون منذ انهيار خلافة قرطبة، وانتهى بتسليم غرناطة سنة 1492.
كان أول شرخ في هذا الحصن المنيع هو سقوط الخلافة في قرطبة، وهذه بحد ذاتها أعوام من الانقلابات والصراعات، أعوام عرفت بالفتنة الأندلسية، حيث تنازع الأمراء والقادة والجيوش على السلطة، وتعاقب عدد من الخلفاء خلال فترات قصيرة، وهذا التزعزع أدى إلى إلغاء الخلافة نهائيًا، فتفككت الدولة المركزية إلى دويلات صغيرة عُرفت باسم ممالك الطوائف.
ورغم أن عصر ملوك الطوائف شهد ازدهارًا لا يضاهى في الشعر والفنون والعلوم، إلا أنه عصر امتاز بضعف الأندلس سياسيًا، حيث أن ملوك الطوائف لم يروا أن الأندلس وحدة واحدة، بل كان كل ملك يدافع عن مملكته ويرعى مصالحه منفصلًا عن الملوك الأخر. بل وقد تنافس ملوك الطوائف على الأراضي والنفوذ، ودخلوا في حروب وتحالفات متغيرة فيما بينهم كان نتيجة أغلبها قتل المسلم لأخيه المسلم واقتراف الويلات والفظائع في حق الخاسر (التي وإن نظرنا بتمعن فيها، كان الجميع فيها خاسرًا وإن ظنوا أنهم كسبوا).
بل وكان بعضهم يستعين بالممالك النصرانية ضد خصومه المسلمين مقابل دفع المسلمين للأموال أو التنازل عن الحصون لصالح هذه الممالك، التي بدورها استغلت هذه التفرقة في صفوف المسلمين ورأتها كفرصة قُدمت إليها على طبق من ذهب، فترى هذه الفترة توثّق في تاريخهم باسم حروب الاسترداد (استرداد النصارى للأراضي التي فتحها المسلمون). وبهذا سلّم ملوك الطوائف رقابهم إلى الممالك النصرانية ودفعوا الجزية «الإتاوات المالية» لبعض ملوك قشتالة وليون وأراغون، مقابل السلام أو الحماية. وأصبحت هذه الأموال مصدرًا مهمًا لتمويل الجيوش المسيحية، بينما استُنزفت موارد دويلات الطوائف.
ثم شكّل استيلاء ألفونسو السادس، ملك قشتالة وليون، على طليطلة سنة 1085 نقطة تحول كبرى. حيث كانت طليطلة مدينة استراتيجية تقع في وسط شبه الجزيرة الإيبيرية، كما كانت عاصمة قديمة ذات مكانة سياسية وثقافية كبيرة. وسقوطها أظهر أن ممالك الطوائف لم تعد قادرة وحدها على وقف التقدم العسكري المسيحي. ولهذا استعان ملوك الطوائف بالمرابطين في شمال أفريقيا الذين استطاعوا ردع ألفونسو وتوحيد الأندلس تحت رايتهم.
ورغم أن المرابطون قد نجحوا بالفعل في توحيد أجزاء كبيرة من الأندلس، وإيقاف التوسع المسيحي لفترة؛ إلا أن دولتهم ضعفت لاحقًا بسبب الصراعات الداخلية والضغط العسكري وظهور قوة جديدة في المغرب هي دولة الموحدين. وقد سيطر الموحدون بدورهم على الأندلس خلال القرن الثاني عشر، وحققوا بعض الانتصارات، لكنهم تعرضوا لهزيمة حاسمة أمام تحالف من الممالك المسيحية في معركة العقاب، أو لاس نافاس دي تولوسا وانتهى الأمر بتفكك الأندلس إلى دويلات من جديد.
بعد معركة العقاب، تقدمت جيوش قشتالة وأراغون والبرتغال بسرعة أكبر. وفقدت الأندلس معظم مدنها الكبرى، كقرطبة وبلنسية وإشبيلية، وهكذا رويدًا رويدًا يتقدم الزحف النصراني ويتغلغل في أراضي الأندلس حتى لم يتبقَّ سوى مملكة غرناطة النصرية في أقصى الجنوب. ورغم أن غرناطة استبسلت في الدفاع عن نفسها—وقد دامت قرنين من الزمن—إلا أن نزاعات الحكم الداخلية بين الأسرة النصرية، إضافة إلى تحالف قشتالة وأراغون بعد زواج إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة وفرديناند الثاني ملك أراغون، كانا العاملان اللذان شكلا الضربة القاضية والقشة التي قصمت ظهر البعير. وقد دامت الحرب الأخيرة عقدًا من الزمان، وكانت حربًا طاحنة ومؤذية وثقيلة على قلوب المسلمين—آنذاك وحتى يومنا هذا—انتهت بدخول أبو عبد الله الصغير حاكم غرناطة في مفاوضات سرية مع الملكين الكاثوليكيين. وقد اتفق الطرفان على تسليم غرناطة وإنهاء الحكم الإسلامي في الأندلس مقابل تعهد الطرف الآخر بالسماح للمسلمين بممارسة دينهم والحفاظ على مساجدهم وتراثهم، وبهذا تم تسليم غرناطة رسميًا في كانون الثاني من عام 1492 منهيًا حكمًا دام منذ عام 712.
أما ما حدث بعد ذلك فهو حقبة أخرى من تاريخ شبه الجزيرة الأيبيرية، حيث ابتدأ بضمان حقوق المسلمين تحت بنود الاتفاقية المبرمة، إلا أن هذا الأمر ما لبث أن تغير وعانى المسلمون أبشع صور التعذيب حتى هربوا بأنفسهم ودينهم إلى الجبال.
وختامًا، نريد التوضيح أن الوجود الإسلامي لم ينته بسقوط الأندلس في شبه الجزيرة الأيبيرية، بل إن الحكم الإسلامي وحده من انتهى. وبهذا نعجب حين نعقل أن محاكم التفتيش لم تنكل بالمسلمين من العرب فقط، بل بالمسلمين من الإسبان والسكان الأصليين أيضًا—أي أنهم نكّلوا بشعبهم فقط لأنهم من دين مغاير. ويعتصر القلب حين يتبحر في تاريخ "المورسكيين" وما عانوه من تضييق وتعذيب لا يتخيله عقل ولا تستطيع معاجم اللغات على حصره في بضع كلمات. بل وأن الكثير من العادات الموجودة حاليًا في المجتمع الإسباني هي بقايا من هذه الحقبة التاريخية التي هرب المسلمون بدينهم فيها وآثروا الانعزال على الارتداد، إلا أن أثرهم ما زال يتردد ويصدع بأصدائه حتى اليوم.