نحن نعيش على كوكب الأرض كل يوم، كل منا يخوض في فوضاه… نخلق في دواخلنا عوالم من الخيال، ومساحات لا وجود لها سوى في أعماقنا، مستغرقون في أمنيات قد تنبثق من إحداها تلك العوالم الخفية لتصبح وافعًا نعيش فيه…
لكننا، في خضم هذه الثورات بين الخيال والواقع، نظلم أرضنا التي —في جمالها—تضاهي، بل وأحيانًا تفوق، أعتى خيالاتنا. فكر في تلك المرة التي كنت تداعب رمال الشاطئ الذهبية وتنثرها بين أناملك هنا وهناك، فكر في اللحظة التي رفعت فيها جفنيك، ورميت نظرك إلى الأفق… تذكر ذلك السحر، حين سكت العالم من حولك ولم يبقَ سوى صوت الموج، والنوارس العابرة بين الفينة والأخرى… الزُرقة التي ذابت بين البحر والسماء لتكونا رتقة واحدة… قرص الشمس الذي يلامس البحر شيئًا فشيئًا حتى يعانق خط الأفق… والضوء الذي ينعكس عن البحر، كأنها لآلئ ودرٌّ منثور، كأنها تلامس شيئًا ما في داخلك فتضيئه…
تذكر تلك المرة التي جابهت فيها الجبال، تذكر صفير الريح، تذكر الصمت الذي يشبه في سكونه كل شيء سوى السكون—سكون يسمح لك أن تضفي معناك الخاص عليه… تذكر الألوان التي تغنت بها الصخور، كلوحة فنان خلق من عتمته جمالًأ في لوحة بهية… تذكر العلو الشامخ الذي يجعلك تشعر بضآلتك وعظمك في ذات الوقت…
كوكبنا مليء بتلك الزوايا التي تشبه شيئًا رُسم بريشة فنان، ثم انشق عن اللوحة وصار واقعًا. ومن هذه الأماكن جبال أفاتار في الصين، الذي كانت وما زالت محط الأنظار كمشهد خارج من فيلم سينما مشوّق ودراماتيكي. وفي هذه المقالة سنكتشف المزيد عن هذه الجبال الساحرة التي أوقدت الكثير من إلهامات السفر منذ اكتشافها.
أين يقع منتجع جبل أفاتار؟
في مقاطعة هونان أواسط الصين، في مدينة صغيرة تسمى تشانغجياجيه (Zhangjiajie)، قرب حديقة تشانغجياجيه الوطنية للغابات و جبال تيانزي، يقع منتجع صغير على إطلالة كأنها من ضرب الخيال.
موقع المنتجع بين الجبال يضفي عليه ألقًا وسحرًا يجعله وجهة جذب للزوار من جميع أنحاء العالم. وزادت شهرته بعد صدور فيلم أفاتار الذي اتخذ من هذه الجبال الساحرة موقعًا لبناء العالم الخيالي الخاص بهذا الفيلم.
لماذا يُشبه جبل أفاتار عالمًا من الخيال؟
لا تشبه التكوينات الجبلية لغابات جبال أفاتار أي جبال في العالم؛ فهي لا تتبع الشكل التقليدي للجبل الذي تستحضره معظم العقول عند سماع الكلمة. بل هي أشبه بأعمدة شيدتها الطبيعة بطريقة هندسية مهيبة، بطولها الشاهق ونحالتها العجيبة تبدو وكأنها تشق طريقها نحو السماء، ترتدي غطاءً أخضرًا كثيفًا يزحف إلى أعلى في تحدٍ علنيّ لكل قوانين الفيزياء والمنطق، لتزيد عجائبية المنظر. ثم يأتي المشهد الأخير في هذه المسرحية الطبيعية الخلابة، حيث تلتحف الجبال بغطاء رقيق من الضباب والغيوم، كأنها في شموخها تلامس السماء وتخترقها إلى حيث يعجز النظر من تتبعها، لتجعل من المشهد كأنه سراب لذيذ يتسلل إلى الحواس فيخدعها...
تجربة الإقامة وسط الجبال: الطبيعة الساحرة من حول المنتجع
تخيل معنا: تتسلل أول خيوط الصباح لتعلن عن يوم جديد، تسمع صوت الطبيعة الذي يشق الهدوء متحديًا. لتفتح عينيك فيتسلل المشهد رويدًا رويدًا، قمم الجبال وهي تشق طريقها من بين طبقات الضباب، فلا تدري ما يخالجك؛ أهو شعور بالهدوء؟ أهو شعور بعظم الموقف؟ لا يهم، لا داعي لاختزال المشهد في بضع كلمات من اللغة…
ثم تحضّر قهوتك وتتوجه إلى الشرفة، لتتجرع الجمال الذي يحيط بك مع كل رشفة من الكوب اللذيذ. تخيل الهدوء الذي سيتسلل إلى جهازك العصبي، كمرآة تعكس الهدوء من حولها، أو كعدوى لذيذة، أو كصوت عذب يهمس لك: "لا داع للعجلة…"
ثم، وكأنك في عالم لا يخضع لقوانين الوقت، تسبح الشمس غربًا في السماء لتعلن وقت الرحيل، ولكن—هنا—حتى الرحيل يصبح حلو المذاق! إذ تتكسر ألوان الغروب الجميل على هذه التكوينات الجبلية وتغرق الوديان في ظلال هادئة، لتشعر وكأن المنتجع معزول عن العالم في بقعة لا يصل إليها صخب المدن. هنا، لا تكون الطبيعة مجرد إطلالة جميلة، بل رفيقًا حاضرًا في كل لحظة من لحظات الإقامة.
لذا، لا عجب أن المكوث هنا هو كالغوص في لوحة من إبداع الخالق البديع عزّ وجل.
أبرز الأنشطة والتجارب التي يمكن الاستمتاع بها
لا تقتصر متعة الرحلة على تأمل الجبال من بعيد، فكل زاوية في المكان تدعوك إلى خوض تجربة مختلفة؛ فيمكنك الانطلاق في مسارات المشي بين الجبال والغابات، أو ركوب التلفريك للاستمتاع بإطلالات بانورامية تكشف القمم والوديان من الأعلى. ثم يجد عشاق التصوير فرصًا لا تنتهي لالتقاط مشاهد الضباب وهو ينساب بين المرتفعات، أو توثيق لحظات شروق الشمس وغروبها حين تتغير ألوان الجبال مع الضوء. وبعد يوم مليء بالمغامرات، لا شيء يضاهي الاسترخاء مع تجربة الأطعمة المحلية والتعرف إلى نكهات المنطقة، لتجمع الرحلة بين الطبيعة والمغامرة والهدوء في تجربة واحدة متكاملة.
هل يستحق منتجع جبل أفاتار الزيارة؟
إذا كنت تبحث عن وجهة تجمع بين الطبيعة والمغامرة والهدوء، فإن منتجع جبل أفاتار في هونج كونج يستحق أن يكون ضمن خطط رحلتك. فالمكان لا يقدم تجربة متكاملة تبدأ من المشاهد الطبيعية المهيبة والضباب الذي ينساب بين القمم، وتمتد إلى مسارات المشي والتلفريك ونقاط المشاهدة واللحظات الهادئة بعيدًا عن صخب المدن. كما أن اختلاف أجواء المكان بين الصباح والغروب يجعل كل وقت من اليوم يحمل مشهدًا وتجربة جديدة. ولهذا، قد يكون المنتجع خيارًا مثاليًا لمحبي الطبيعة والتصوير، أو لمن يرغبون في قضاء بضعة أيام وسط أجواء جبلية تبدو وكأنها قادمة من عالم آخر.